ريبيكا بلاك ويوم الجمعة

0
عندما تعلم أن والدة الفتاة (ريبيكا بلاك) Rebecca Black قالت متفاخرة ’’كانت تلك أفضل 4 آلاف دولار أنفقتها على الإطلاق!‘‘ فتأكد عزيزي القارئ أنه لا أمل في شفاء المجتمع الأمريكي من مرض (البحث عن الشهرة بأي طريقة كانت)!

الحكاية، التى حدثت فى العام الماضى، في مجملها أن إحدى الفتيات الأمريكيات كانت تحلم دائما - كالكثير من قريناتها هناك - بأن تصبح مطربة شهيرة تشبه هؤلاء اللاتي تراهن على الشاشة أمثال (بريتني سبيرز) و(مايلي سايرس). فبريق الشهرة - مهما كان الدافع لهذه الشهرة تافها أو حتى سلبيا مما قد نعتبره نحن فضيحة أحيانا - أعمى الكثيرات ممن خرجن للحياة وسط هذا الجو الذي يمجد "النجوم"، ويصف فيه الإعلام كل من تجيد بعض حركات الرقص المبتذلة بأنها "فنانة موهوبة" و Talented

وليست الفتاة الصغيرة التي نتحدث عنها هنا مختلفة للأسف عن بنات جيلها، لهذا لا يعد عجيبا أنها كانت تحلم بشهرة مماثلة، لكن الاختلاف هو أنها لم تكتف بالحلم بل سعت - بمساعدة أمها! - لتحقيقه.

وأسلوب تحقيق الحلم كان أن دفعت الأم مبلغا زهيدا (بالنسبة لنتيجته التي ترتبت عليه) لإحدى الشركات الصغيرة التي تتخصص في التسجيل الصوتي للأغاني، مع إضافة الكثير من المؤثرات والتعديلات التي قد تحول أي صوت نشاز إلى شيء مفبرك ومصطنع يغطي على سوء الصوت الأصلي، غالبا باستخدام برنامج Auto-Tune.

وإن لم تخني الذاكرة، فالمال كان يعتبر هدية ذكرى ميلاد الفتاة، والتي لا تتجاوز الـ 13 سنة بالمناسبة!

تكفل الاستوديو بكتابة كلمات الأغنية المطلوبة وإنتاج لحن إيقاعي "شبابي" سريع، بالإضافة لتصوير (فيديو كليب) بسيط للفتاة (ريبيكا) وحولها بضعة فتيات يقاربنها في العمر ... حيث حال صغر الميزانية التي دفعتها الأم دون التوسع في الإضافات الشكلية التجميلية التي تكون موجودة غالبا في الأغاني المصورة بشكل احترافي.

وبعد انتهاء العمل على "المنتج" المطلوب، تم وضعه على موقع اليوتيوب الشهير ليشاهده كل من أراد

وما هي إلا أيام وإذا بالفيديو تتصاعد أعداد مشاهدته بدرجة مخيفة وغير متوقعة. ملايين الناس شاهدوه على الإنترنت ... وسخر أغلبهم من الكلمات الطفولية الساذجة للأغنية، لكن هذه السخرية أدت لزيادة فضول الآخرين للتعرف على الأغنية بأنفسهم. وهكذا انطلقت الفتاة على متن صاروخ الشهرة بعد أن كانت منذ وقت قصير مجرد بنت عادية لا يميزها عن أشباهها الكثير. وتحقق بذلك هدف (ريبيكا بلاك) وأمها.

والأغنية نفسها دليل آخر على ابتذال ’الثقافة العامة‘ للأمريكيين الآن. فلا هي تناقش قضية ما ولا حتى تتحدث عن الرومانسية والحب كآلاف غيرها ... بل اسمها (يوم الجمعة) Friday - والذي يقابل في المعنى يوم الخميس عندنا، أي آخر يوم عمل أو دراسة في الأسبوع - وتدور حول سعادة الفتاة البالغة باقتراب الإجازة!

ولا تتوقف سطحية الكلمات والمعاني عند هذا الحد، بل في مقطع صار شهيرا من كثرة السخرية منه في الإعلام وعلى صفحات الإنترنت تقول الأغنية:

’’الأمس كان الخميس واليوم هو الجمعة. الغد هو السبت وبعده يأتي الأحد!!‘‘

فيا له من اكتشاف مذهل أتحفتنا به الآنسة ريبيكا بلاك، وإن كنت أراه مناسبا أكثر لحلقة تعليمية من برنامج الأطفال عالم سمسم!

لكن بما أن المجتمع الأمريكي في غالبيته أصبح يمجد المشاهير لمجرد كونهم مشهورين، بغض النظر عما قدموه ليستحقوا هذه الشهرة أصلا، فقد رأينا الفتاة تحصل على عقد لتسجيل ألبوم موسيقي خاص بها، ورأينا وقوع نزاع قانوني بين والدتها والشركة التي سجلت الأغنية بخصوص تقسيم الأرباح الكبيرة التي يدرها تحميل ملف الـ Mp3 الخاص بالأغنية من موقع iTunes بسعر 99 سنت أمريكي للمرة!

ولا تعجب عزيزي القارئ، فالمهزلة لم تنته بعد.. حيث ظهرت الفتاة ريبيكا ضمن فيديو كليب للمطربة الشهيرة (كاتي بيري Katy Perry) مما زاد بطبيعة الحال من ارتفاع ’موجة الشهرة‘ التي ركبتها الفتاة، وأقنع العديد من الفتيات الأخريات المغمورات أن حلمهن الوهمي بالنجومية يمكن أن يصير حقيقة فعلا ... فـ ريبيكا لا تزيد في نظرهن عنهن شيئا، ولا تملك من المقومات والمواهب ما يفوق مواهبهن!

مع أن الحقيقة الصادمة هي أن نسبة صغيرة جدا هي من تحوز الشهرة وتتسلط عليها الأضواء، في حين يضيع الآلاف الآخرون أوقاتا وأموالا خلال محاولاتهم الفاشلة للوصول لما يشتهون ... وينتهون غالبا دون أن يسمع بهم أحد.

والقصص الواقعية كثيرة وتحكي لكل عاقل كيف كانت خيبة الأمل هي المحطة الأخيرة غالبا في رحلة اللاهثين خلف قطار الشهرة.

إنه، وبكل وضوح وبساطة مرض اجتماعي أصاب الأجيال الحالية بأمريكا وكل بلد آخر يحاول تقليد النموذج الثقافي الأمريكي، وهو نتيجة الانغماس الدائم منذ الطفولة في عالم صناعة الترفيه الإعلامي، وإدمان متابعة أخبار الممثلين والمغنيين والنظر لحياتهم الشخصية في انبهار يصل للإجلال، وبطريقة أبعد ما تكون عن الاعتدال.

والأدهى هو ما لاحظته الدراسات التي بحثت في الموضوع، حيث يزول بالتدريج الفاصل العقلي لدى الجمهور المتفرج بين الوهم والحقيقة، وبالتالي ينحدر الشخص لحالة ذهنية يصعب عليه فيها التمييز بين ما هو ممكن حقيقي وما هو وهمي مفبرك.

والأمثلة على هذا كثيرة ولا تحتاج مني أدنى مبالغة في وصفها.. فعلى سبيل المثال، تلقى صانعو أفلام (العودة إلى المستقبل Back to the future) طلبات كثيرة من الجمهور لشراء لوح التزلج المتقدم ’الطائر‘ الذي ظهر بطل الفيلم يستخدمه، مما اضطر شركة الإنتاج للإعلان بوضوح عدة مرات أنه مجرد خدعة سينمائية، وأن (لوح التزلج المضاد للجاذبية) الذي يحاول الكثيرون شراؤه هو شيء لم يخترع بعد!!

تصور معي المأساة التي ستتولد عندما تصطدم الفتيات الصغيرات - اللاتي يحلمن من الآن بتقليد ريبيكا بلاك والسير على هدى خطاها - بالواقع الجاف الذي لا يشبه العالم السرابي الوهمي الذي كن يتصورن وجوده.

ترى كم من طاقاتهن وأعمارهن سيكون قد ضاع بالفعل في السير خلف هذا السراب؟!

أرشيف المدونة الإلكترونية

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمون

مدونه اف اح

Google+ Followers