الفيلم الأوروبي 2

0

كتبت من قبل عن الفترة التي تابعت فيها السينما الأوروبية، المختلفة كثيرا عن الأفلام الأمريكية الهوليوودية.
كانت العروض السينمائية تابعة لمهرجان الفيلم الأوروبي، كما قلت في تدوينة سابقة .. وبعدها بفترة حضرت – مع نفس الصديق – بعض العروض التي قدمتها مكتبة الإسكندرية، والتي كانت تابعة لحركة ما يسمى Dogme 95 ..
وهي حركة فنية سينمائية بدأها (لارس فون ترير) ، وكان هدفها الابتعاد عن المؤثرات والبهرجة التي سادت الأفلام مؤخرا.. والاعتماد على الإضاءة الطبيعية قدر الإمكان، مع الامتناع عن استخدام أي مؤثرات صوتية أو موسيقية يتم إضافتها بعد تصوير الفيلم!
وبهذا صار لصورة الفيلم المنتج بهذه الطريقة طابعا مميزا مختلفا.. وأصبح التركيز هو على القصة والشخصيات.

شاهدت مع صديقي عرضَين ولم استطع إكمال الثالث لأن محتواه كان صادما أكثر من المحتمل عندي!
الاثنان كانا من الدنمارك، وفي حين أن الثاني Mifune's Last Song لم أعد أتذكره بشكل جيد، إلا أن الأول Festen ظل عالقا بالذاكرة لسنوات.. وهذا دليل الجودة وقدرته على التأثير النفسي في المشاهد.
كلمة Festen بالدنماركي تعني الاحتفال The Celebration ، والفيلم تم إنتاجه 1998 ونال الكثير من الجوائز. والغريب أنه – على الرغم من اختلافه عن المعتاد – تم تقييمه على موقع IMDB بدرجة مرتفعة للغاية.
القصة أثبتت نجاحها حتى وصل الأمر إلى تحويل السيناريو لمسرحية تم تقديمها عدة مرات.. وعلمت مؤخرا أن الفيلم يتم تدريسه في معاهد السينما!

فيلم «الاحتفال» يمكن تصنيفه تحت بند الواقعية، على الرغم من أسلوبه الذي يقترب من الكوميديا السوداء والمبالغة.. وهو جمع صعب بين النوعين، الكوميديا والتراجيديا، لكن المحصلة النهائية تشهد بنجاح الخلطة.

مكان الأحداث هو قصر رجل ثري، كان في الأصل فندقا، يعيش فيه مع زوجته والكثير من الخدم.
الزمان هو احتفال وصوله لسن الستين، وحسب التقاليد ستتجمع العائلة والمعارف والأصدقاء في احتفال أرستوقراطي كبير.
تبدأ السيارات في الوصول للقصر.. الابن الأكبر كريستيان يأتي من باريس، حيث يعمل كصاحب سلسلة مطاعم ناجحة.
الابن الأصغر مايكل يأتي بزوجته وأطفاله. والابنة الوسطى هيلينا تأتي وحدها.
من الحوار نعرف أن كريستيان هو الابن العاقل، لكن علاقاته النسائية لا تنجح لسبب ما.
مايكل عنيف مع زوجته لكن بسذاجة، ويعتمد عليها تماما كالطفل مع أمه، وهو أقل العائلة نجاحا.. سريع الغضب لكن سريع الاعتذار.. وفي صغره عاش بعيدا عن البيت، في مدرسة داخلية. هذه النقطة ستثبت أهميتها للقصة فيما بعد.
كريستيان كان له أخت توأم انتحرت في حمام القصر قبل الأحداث بأسابيع قليلة..
تسير الأمور الاحتفالية طبيعية في البداية، لكن هيلينا تجد كتابة على حائط الحمام الذي ماتت فيه أختها، فتتذكر لعبة قديمة كانا يلعبانها في الطفولة.. وبتتبع الأسهم المرسومة على الحوائط تصل لرسالة كانت الأخت قد خبأتها قبل انتحارها!
لا نعرف المحتوى إلا بعد أن يحدث شيء آخر.. حيث يقوم كريستيان وسط الاحتفال ويخيّر أباه بين خطبتين سيلقي الابن إحداهما.. الصفراء أم الخضراء.. ويختار الأب الخضراء، فيصفها الابن بأنها ستكون: خطبة الحقيقة!
الصفراء أم الخضراء؟؟
"لقد كان أبي يغتصبني أنا وأختي المنتحرة ونحن صغار!".. هكذا يفجر كريستيان القنبلة بين الحضور.. لكن الغريب هو محاولة الجميع لتجاهل ما قال!
يستمرون في الاحتفال والشرب محاولين نسيان الموقف كله.. فينزوي الابن ويصمت منكسرا.
لكن كبير الطهاة في البيت يقوم بتشجيعه على مواصلة المواجهة.. فيقوم كريستيان مرة أخرى ويقول أن أفعال الأب هي السبب وراء الاضطراب النفسي للأخت وانتحارها.
يثور الضيوف، وخاصة الابن الأصغر مايكل، ويلقون بكريستيان خارج القصر.
يرفضون سماع الحقيقة المرة
 يعود مرة أخرى فيعاودون إخراجه بالقوة، لكن هذه المرة يربطونه في شجرة كي لا يفسد ليلتهم!
وتترى الأحداث، فنجد هيلينا تقرأ – باكيةً - رسالة أختها والتي تحوي اعترافا بجريمة الأب.
ويقول كريستيان أن الأم شاهدت الأب مرة وهو يعتدي جنسيا على ابنها الطفل لكنها صمتت لتحفظ صورة الأسرة!

في النهاية يقوم الابن مايكل بالتعدي الجسدي على الأب بعد أن اهتزت صورته أمامه.. على الرغم من أن الأب كان قبل ساعات قد وعده بمساعدته اجتماعيا عن طريق إدراجه في المحفل الماسوني الخاص بالأغنياء، والذي ينتمي إليه الأب!
الأب مضطرب بعد افتضاح جريمته
وفي الصباح يجتمع الضيوف بعد ليلة حافلة، ويتناولون الإفطار. فيقوم الأب بإلقاء كلمة اعتذار واعتراف بجريمته، ثم يخبره مايكل في أدب أن عليه الآن ترك المائدة كي يتناول الجميع طعامهم في هدوء.. فيستجيب الأب منكسرا.
وفي المشهد الأخير نرى أن كريستيان يفكر في الزواج من إحدى خادمات البيت والتي كان يحبها منذ صغره، والعودة معها لعمله في باريس بعد أن انتصر في معركته مع الأب – ومع نفسه – بأن فتح الجرح القديم ونظفه.. وسيدخل بعدها مرحلة الشفاء النفسي والنقاهة.

الفيلم به خيوط قصصية أخرى تجاوزتها هنا خشية الإطالة.. لكن أظن أن الفكرة الأساسية للحبكة واضحة الآن.
فيما بعد سأكتب عن فيلم أوروبي آخر لكنه يختلف تماما عن أسلوب Festen ، حيث يعتمد على المؤثرات والجرافيكس بصورة أساسية، لكنه يُثبت أن المؤثرات إن تم استخدامها بطريقة سليمة فقد تخدم الفيلم ولا تؤدي للـ"بهرجة" والابتذال، كما يظن أتباع مدرسة Dogme95 الفنية.
والفيلم المقصود هو نرويجي من إنتاج 2010 واسمه TrollHunter أي صائد العمالقة، ويجمع بين الفانتازيا والسخرية والأسلوب التوثيقي في مزيج مميز، لدرجة أن الأمريكان يفكرون في إعادة إنتاجه بممثلين أمريكيين ليتقبله الجمهور الأمريكي الذي يكره في الغالب قراءة شريط الترجمة الذي يكون مصاحبا للأفلام الأوروبية!

أرشيف المدونة الإلكترونية

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمون

مدونه اف اح

Google+ Followers